محمد جمال الدين القاسمي

416

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ورؤيتهم له بعد ذلك ، إنما هو من تطور روحه . لأنه عليه السلام كان له قوة التطور : وهذا من أحكام الروح والنفس . ولئن قلنا إنه لا يدل على الرفع بالوجه التام ، غير أنا نتنزل ونقول : ما دام في هذه المرة تغيرت هيئته ووجهه ولباسه ، واجتمع بالأنبياء وسمع من الغمامة هذا الصوت ، فلا أقل من أن يكون ذلك مقدمة لرفعه ومقياسا ، ومبدأ لتقويته وإيناسا . واليهود لم يتحققوا من أنفسهم أنه هو المسيح . بل اعتمدوا على قول يهوذا كما تقدم لك . ويهوذا قوله قول فرد ، وغير صالح للاحتجاج . للاحتمالات والأدلة التي ذكرناها لك . فلم يبق في قول الفرقتين حجة أن المصلوب هو المسيح عليه السلام ، لا شبهه . وأنا جيلهم حالها معلوم لديك . وبيان اشتباههم المحكيّ لك في القرآن ، لا يخفى عليك . انتهى . وهنا سؤال يورده بعض النصارى وهو : أن عيسى عليه السلام إذا كان لم يصلب حقيقة ، وإنما صلب رجل ألقي عليه شبهه ، ورفع هو إلى السماء ، فلم لم يخبر الحواريين بذلك قبل رفعه أو بعده ؟ والجواب : أن عيسى عليه السلام لم يخبر بذلك لعلمه بأن أناسا سيفترون عليه ويقولون بألوهيته . فأبهم الأمر ليكون ذلك أدل على كونه عبدا من عبيد اللّه . لا يقدر على جلب نفع ولا دفع ضر . بخلاف ما لو أخير بأنه لا يصلب ، أو لم يصلب ، وأن المصلوب شبهه ، فإنه ربما كان ذلك مقويا لشبهة أولئك الجماعة . ولعدم كون هذه المسألة من المسائل الاعتقادية في الأصل . إذ لو اعتقد أحد ، قبل إرسال نبينا عليه الصلاة والسلام ، بصلب عيسى ، لم يضره ذلك . لكن لما ورد نبينا الذي لا ينطق عن الهوى ، أبان خطأ النصارى في الوجهين : أحدهما - اعتقاد أن عيسى إله - والآخر اعتقاد أنه قد قتل وصلب . وأبان أنه عبد من عبيد اللّه تعالى تولاه بالرسالة . واصطفاه وحفظه من أيدي أعدائه وحماه ، كذا في ( منية الاذكاء في قصص الأنبياء ) . فصل في سقوط دعواهم التواتر في أمر الصلب قال القرافيّ : اعلم أن النصارى قالوا : إنهم واليهود أمتان عظيمتان طبقوا مشارق الأرض ومغاربها . وكلهم يخبر أن المسيح عليه السلام صلب . وهم عدد